واشنطن
كتبهاسيد بدرى ، في 23 أبريل 2009 الساعة: 18:29 م
واشنطن وتدخلها في الأزمة السياسية بباكستان
تولي إدارة الرئيس الأمريكي “باراك أوباما” باكستان اهتمامًا خاصًا؛ ليس فقط لكونها أحد أهم حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة؛ بل لقناعة أمريكية راسخة بأن مفتاح استقرار أفغانستان يكمن في باكستان.
ولا تدخر واشنطن جهدًا في التعاطي مع باكستان سواءً عن طريق العصا (المتمثلة في الغارات الجوية التي تشنها الطائرات الأمريكية داخل الأراضي الباكستانية بذريعة توجيه ضربات موجعة لأهداف “إرهابية”) أو عن طريق الجزرة (متمثلة في الدعم المادي والوعود البراقة للمتنافسين السياسيين في البلاد).
وقد كشفت أزمة القاضي “افتخار تشودري”- رئيس المحكمة الباكستانية العليا- وما تبعها من تطورات عن الدور الذي قامت به الولايات المتحدة في محاولتها للسيطرة على الأزمة وكيف أن ذلك قد عمق من تدخلها في سياسة باكستان؛ وهي القضية التي تناولها الكاتب الأمريكي “ديفيد إجناتيوس” مؤخرًا في مقال له نشرته صحيفة “واشنطن بوست” جاء فيه:
قبل شهر من الآن، اقتربت باكستان من انهيار سياسي كان يمكن أن يؤدي بها إلى انقلاب عسكري. إن الكيفية التي تطورت بها تلك الأزمة– وكيف تم السيطرة عليها في النهاية– تسلط الضوء على قصة البلد الذي وصف الرئيس أوباما مؤخرًا مناطقه الحدودية بأنها “أخطر مكان في العالم“.
وكان تقرير مفصل بشان المواجهات السياسية التي شهدتها البلاد في مارس قد تم الكشف عنه الأسبوع الماضي أثناء زيارة المبعوث”ريتشارد هولبروك” والأدميرال “مايك مولن” إلى إسلام أباد. وكما وصفها مسئولون أمريكيون وباكستانيون فإنها قصة حافة هاوية سياسية، وأخيرًا تسوية لعبت فيها إدارة أوباما دور الوسيط.
وقد كان بقاء الديمقراطية الباكستانية معرضًا للخطر. فقد حاول حلفاء للرئيس “آصف علي زرداري” عرقلة منافسه السياسي، رئيس الوزراء السابق وزعيم المعارضة ،”نواز شريف”. الذي خرج، ردًا على ذلك، إلى الشارع منضمًا إلى “مسيرة طويلة” في اتجاه إسلام أباد للمطالبة بإعادة رئيس المحكمة الباكستانية العليا المخلوع “افتخار تشودري”. وقد هددت المسيرة باندلاع “معركة شارع” عنيفة كان يمكن أن تدفع بالجنرال “أشفق كياني”، رئيس أركان الجيش، إلى التدخل.
وأبرزت تلك المواجهات هشاشة الوضع السياسي الباكستاني. إلا أنها أظهرت أيضًا بعد عدة أخطاء أولية أن اللاعبين الأساسيين الثلاثة- زرداري، وشريف، وكياني- كانوا قادرين على نزع فتيل الأزمة. أما العبرة بالنسبة لمراقبي الوضع الباكستاني القلقين هي أنه بالرغم من أن النخبة في البلاد ربما تعاني من الضعف؛ إلا أنها ليست انتحارية.
ويقول “شجاع نواز”، صاحب كتاب “السيوف المتقاطعة”، دراسة عن الجيش الباكستاني، إنه يعتقد أن “سياسيي باكستان يبلغون مرحلة النضج. فهم يدركون أنه يتعين عليك تلبية متطلبات الشعب أو يتم الاستغناء عنك“.
ومثلت الأزمة الباكستانية أول أكبر اختبار دبلوماسي بالنسبة لإدارة أوباما. وقد أسهمت وزيرة الخارجية الأمريكية “هيلاري كلينتون”، إلى جانب كلٍ من هولبروك ومولن، في جذب المسئولين الباكستانيين بعيدًا عن حافة الهاوية. وهذا التدخل الأمريكي قد تم بحرفية شديدة ولكنه، في الوقت نفسه، قد عمق من تدخل الولايات المتحدة في الشأن السياسي الباكستاني — وهو الإجراء الذي من شأنه أن يفرز رد فعل معاديًا لأمريكا وخطيرًا.
وقد بدأت الأزمة في أواخر شهر فبراير الماضي عندما أصدرت المحكمة العليا، التي يدعمها زرداري، حكمًا بعدم صلاحية شريف وشقيقه “شهباز”- رئيس وزراء حكومة إقليم البنجاب- لتولي أية مناصب حكومية. وقد قام عقب ذلك حاكم البنجاب، وهو موالٍ للرئيس زرداري، بإحكام سيطرته على ذلك الإقليم القوي؛ ما اعتبره المحللون الباكستانيون بمثابة محاولة انقلاب من الرئيس ضد منافسه الأساسي.
وكانت حركة المحامين قد بدأت مسيرتها في 12 مارس متعهدة بالسيطرة على العاصمة إسلام أباد حتى تقوم الحكومة بإعادة تشودري إلى منصبه. وأرسل زرداري قوة شرطة تعرف باسم “الرينجرز” لتنتشر بشوارع مدينة لاهور؛ على ما يبدو من أجل ترهيب شريف والمشاركين في المسيرة. لكن شريف استطاع التهرب من الشرطة وانضم إلى المتظاهرين بينما كانوا يتقدمون شمالاً تجاه إسلام أباد.
وقد واجه الجنرال كياني حينئذٍ لحظة اتخاذ قرار. ووفقًا لمصادر أمريكية وباكستانية، فقد طلب زرداري من رئيس أركان الجيش التدخل لوقف المسيرة وحماية إسلام أباد. إلا أن كياني رفض ذلك بعد أن تبادل النقاش حول الموقف مع صديقه مولن، رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة.
وبحسب أحد المصادر، فإن كياني، في غضون ذلك، أجرى اتصالاً بشريف وطلب منه العودة إلى مقره في لاهور، كما اتصل بزعيم حركة المحامين “اعتزاز أحسن” وطلب منه أن يتوقف في مدينة “جوجرانوالا” وينتظر إعلانًا ستصدره الحكومة.
وكانت الضغوط قد تصاعدت على زرداري داخل حزبه،”حزب الشعب الباكستاني”. ووفقًا لمسئول أمريكي، فإن رئيس الوزراء “يوسف رضا جيلاني” أبلغ رئيس البلاد ليلة 15 مارس أنه سوف يقدم استقالته إذا لم يتم إعادة تشودري. إلا أن (معسكر زرداري يقول إن الأمر لم يكن إلا شائعة). على أية حال، فقد ظهر جيلاني على شاشة التليفزيون في الخامسة من صباح اليوم التالي ليعلن أن رئيس المحكمة العليا السابق سوف يعود. وقد انتهت الأزمة.
وجاءت الضغوط من قبل كلٍ من كلينتون وهولبروك من أجل التوصل إلى تسوية؛ وذلك خلال اتصالات هاتفية مع زرداري و شريف. وبحسب مصادر باكستانية، فقد ألمح المسئولون الأمريكيون إلى شريف أنهم لن يمانعوا أن يصبح يومًا رئيسًا للبلاد أو رئيسًا للوزراء. كما كان هناك وسيطًا محوريًا آخر وهو وزير الخارجية البريطاني “ديفيد ميليباند”، الذي حث على الحوار مع شريف.
وقد عززت زيارة الأسبوع الماضي التي قام بها هولبروك ومولن من الاتفاق. فقد التقيا باللاعبين الأساسيين وغادرا البلاد يحدوهم الأمل في أن الثلاثة يمكنهم تشكيل جبهة موحدة ضد”تمرد” عناصر طالبان بالمناطق الحدودية الغربية بدلاً من مواصلة نزاعهم السياسي. وامتدح “حسين حقاني”، السفير الباكستاني لدى واشنطن، دبلوماسية هولبروك قائلاً: “لقد جاء بالأمل في أن المشكلات المعقدة سيتم حلها“.
أما على الصعيد السياسي، فقد خرج زرداري خاسرًا فيما خرج كلاً من شريف وجيلاني كفائزين. غير أن العنصر الفاعل الحاسم كان كياني، الذي تمكن من نزع فتيل الأزمة دون الخروج بالجيش إلى الشارع.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























